الشيخ الطبرسي

208

تفسير مجمع البيان

لا ربا إلا في النسيئة . وأما أهل الجاهلية فإنهم . كانوا يربون بتأخير الذين عن محله إلى محل آخر بزيادة فيه . ولا خلاف في تحريمه . ومما جاء في الحديث في الربا ما روي عن علي " عليه السلام " أنه قال : لعن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " في الربا خمسة : آكله وموكله وشاهديه وكاتبه . وعنه " عليه السلام " قال : إذا أراد الله بقرية هلاكا ، ظهر فيهم الربا ، وعنه " عليه السلام " قال : الربا سبعون بابا ، أهونها عند الله كالذي ينكح أمه . وروى جميل بن دراج عن أبي عبد الله قال : درهم ربا أعظم عند الله من سبعين زنية ، كلها بذات محرم ، في بيت الله الحرام . ( يمحق الله الربا ويربى الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم [ 276 ] ) . اللغة : المحق : نقصان الشئ حالا بعد حال ، يقال : محقه الله يمحقه محقا فانمحق وامتحق : أي هلك وتلف بذهابه حالا بعد حال . والمحاق : آخر الشهر لانمحاق الهلال فيه . والأثيم : المتمادي في الإثم . والآثم : الفاعل للإثم . المعنى : ثم أكد سبحانه ما تقدم بقول ( يمحق الله ) أي : ينقص الله ( الربا ) حالا بعد حال إلى أن يتلف المال كله . وقال ابن عباس : معناه يهلكه ويذهب ببركته . وقيل للصادق " عليه السلام " : وقد يرى الرجل يربي فيكثر ماله ؟ فقال : يمحق الله دينه وإن كثر ماله . وقال أبو القاسم البلخي : يمحقه الله في الدنيا بسقوط عدالته ، والحكم بفسقه ، والتسمية بالفسق . ( ويربي الصدقات ) أي : وينمي الصدقات ويزيدها بأن يثمر المال في نفسه في العاجل ، وبالأجر عليه والثواب في الآجل ، وذلك بحسب الانتفاع بها ، وحسن النية فيها . وقد روي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال : ( إن الله تعالى يقبل الصدقات ، ولا يقبل منها إلا الطيب ، ويربيها لصاحبها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله ، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد " . والنكتة في الآية أن المربي إنما يطلب بالربى زيادة المال ، ومانع الصدقة إنما يمنعها لطلب زيادة المال ، فبين الله سبحانه أن الربا سبب النقصان دون النماء ، وأن الصدقة سبب النماء دون النقصان . ( والله لا يحب كل كفار أثيم ) الكفار : فعال من الكفر ، وهو المقيم عليه ، المستمسك به ، المعتاد له . ومعناه : والله يبغض كل كفار لنعمته باستحلال الربا ، منهمك في غوايته ، متماد في إثمه بأكله . وإنما لم يقل كل كافر ، لأنه إذا استحل الربا صار كافرا ، لأنه إذا كثر أكله للربا مع الاستحلال ، فقد